نخبة من الأكاديميين
97
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
المسيح عليه السلام باعتباره نبيًا ورسولًا ، ولا إلهًا . كما اعترفوا بمعجزاته التي أوردها القرآن الكريم ، ويبجلو السيدة مريم « أفضل نساء العالمين » ؛ غير أن عداؤهم انصب على « الفرنج » ، أي المسيحيين الكاثوليك القادمين من غرب أوروبا دون سواهم كما سبق وأشرنا . لكن الفرنج بالمقابل أنكروا الإسلام وهاجموا النبي ونسبوا إلى الدين الإسلامي والنبي أمورًا كانت من نتاج خيالهم الشرير ولا صلة لها بالواقع . ومن ناحية أخرى ، فإن المؤرخين المسلمين احترموا في عدوهم صفات الشجاعة والبسالة والقدرة القتالية . يقول أسامة بن منقذ في هذا الشأن « . . . سبحان الخالق الباري ، إذا خبر الإنسان أمور الفرنج سبَّح الله وقدسه ، ورأي فيهم فضيلة الشجاعة والقتال لاغير . . . » كما أن ابن شداد كاتب سيرة صلاح الدين الأيوبي تحدث عن قوة احتمالهم ، وعن شجاعة ريتشارد الأول ملك إنكلترا قائلًا « . . . وكان الملعون شجاعًا باسلًا ، صاحب رأي في الحرب ، وثبت بين يدي العسكر » ، وهو « . . . شديد البأس بينهم ، عظيم الشجاعة قوي الهمة ، له وقعات عظيمة ، وله جسارة على الحرب . . . » وقد شاركت مصادر عربية أخرى في الحديث عن شجاعة الصليبيين وجسارتهم . وكانت تبدو فيها أحيانًا رنة الإعجاب والتقدير بهاتين الشجاعة والجسارة . وقد أدرك المؤرخون المسلمون مدى خضوع الصليبيين للدعاوة الكنسية ، والحيل التي مارسها بعض رجال الكنيسة الكاثوليكية ، مثلما حدث أثناء الحصار المزدوج لأنطاكية سنة ( 1098 م ) بعد أن تملك اليأس من الصليبيين . فقد أورد « ابن الأثير » حكاية الحربة المقدسة « . . . وكان معهم راهب مطاع فيهم ، وكان داهية من الرجال ، فقال لهم إن المسيح عليه السلام كان له حربة مدفونة بالقسيان الذي في أنطاكية ، وهو بناء عظيم ، فإن وجدتموها فإنكم تظفرون ، وإن لم تجدوها فالهلاك محقق . وكان قد دفن قبل ذلك حربة فيه وعفَّي أثرها . وأمرهم بالصوم والتوبة ففعلوا ذلك ثلاثة أيام . . . فوجدوها كما ذكر ؛ فقال لهم أبشروا بالظفر . . . » وقد أوردت المصادر اللاتينية قصة الحربة ، وكشفت عن كذب القس الذي اخترعها ، وتمت محاكمته على الطريقة الجرمانية . لقد كان المقاتل الصليبي متدينًا على طريقته ، وهو ما لاحظه العماد الأصفهاني ، وابن شداد ، وغيرهما . بل إن المؤرخ ابن القلانسي كتب أن الصليبيين كانوا يحملون معهم إلى ميدان المعركة كنيسة متنقلة . ومن ناحية أخرى ، تمدنا المصادر التاريخية العربية بعدد من الأمثلة التي توضح مدى حرص الصليبيين على رحلة الحج . إذ ان ابن شداد يحدثنا عن أنه بعد صلح الرملة بين صلاح الدين وريتشارد الأول ، وصل عدد كبير من الصليبيين بقصد الحج إلى بيت المقدس وفتح لهم السلطان الباب للحج « . . . ونفذ معهم الخفراء يحفظونهم حتى يردوهم إلى يافا . . » . وكان هدف السلطان « . . . أن يقضوا وطرهم من الزيارة ، ويرجعوا إلى بلادهم فيأمن المسلمون شرهم . . . » وعندما عرف ريتشارد بالأمر « . . . صعب عليه ذلك ، وسيَّر إلى السلطان يسأله منع الزوار ، واقترح ألا يأذن لأحد إلا بعد حضور علامة من جانبه أو بكتابه . وعلم الإفرنجية ذلك فعظم عليهم واهتموا بالحج ؛ فكان يَرِد منهم كل يوم جموع كثيرة ، مقدمون وأوساط وملوك متنكرون . . . » . كما كتب العماد الأصفهاني وصفًا تفصيليًا لصليب